top of page

أثر ٣ | ميزان الأثر

15 سبتمبر
2 دقيقة قراءة

لو اختفت غدًا أرقام المتابعين والمشاهدات والإعجابات من جميع منصات التواصل، فبأي معيار سنعرف مَن يستحق أن يؤثر فينا؟

سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف شيئًا أعمق في علاقتنا بالمحتوى؛ فقد اعتدنا أن نرى الرقم قبل أن نرى القيمة، وأن نعرف حجم الانتشار قبل أن نسأل عن حجم الأثر.

صرنا نملك مقاييس دقيقة لكل شيء تقريبًا: كم شاهد؟ كم تابع؟ كم أعجب؟ وكم شارك؟ لكننا لا نملك رقمًا يخبرنا: ماذا بقي في الإنسان بعد أن أغلق الشاشة؟

وهنا يكمن الفرق بين الشهرة والتأثير.

فالشهرة تخبرنا كم شخصًا وصل إليه المحتوى، لكنها لا تخبرنا ماذا ترك المحتوى في هؤلاء الأشخاص. قد ينتشر شيء لأنه غريب، أو صادم، أو مثير للجدل، وقد يحقق ملايين المشاهدات ثم ينتهي عمره بانتهاء اللحظة التي صنعته.

وفي المقابل، قد تمر كلمة هادئة على عدد أقل من الناس، لكنها توقظ فكرة، أو تصحح مفهومًا، أو تعيد إنسانًا إلى نفسه، أو تمنعه من قرار كان سيندم عليه طويلًا.

فأيّهما أكثر تأثيرًا؟

المشكلة ليست في الشهرة ذاتها، ولا في الأرقام، ولا في نجاح الإنسان في الوصول إلى جمهور واسع. المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة القياس إلى معيار للقيمة، فنفترض أن الأكثر مشاهدة هو الأجدر بالاستماع، وأن الأكثر متابعة هو الأقدر على التأثير، وأن الانتشار شهادة استحقاق.

الانتشار ليس تأثيرًا، والتفاعل ليس قيمة، والشهرة ليست استحقاقًا.

إنها مؤشرات تخبرنا بما حدث حول المحتوى، لكنها لا تكفي وحدها لتخبرنا بما أحدثه المحتوى داخل الإنسان.

ولعل هذا أحد الأسئلة التي تستحق أن نعيد طرحها في زمن أصبحت فيه الأرقام جزءًا من صناعة الرأي: هل نختار من يؤثر في وعينا لأن لديه ما يستحق أن يُقال، أم لأن عددًا كبيرًا من الناس سبقنا إلى متابعته؟

فالإنسان حين يفتح هاتفه لا يستقبل مادة عابرة فقط؛ إنه يسمح للأفكار بالدخول إلى مساحة شديدة الخصوصية من حياته. وما يتكرر أمامه قد يغير تدريجيًا لغته، وذائقته، ونظرته إلى النجاح والجمال والعلاقات، بل وربما نظرته إلى نفسه.

لهذا لا أرى أننا بحاجة إلى محاكمة المشاهير، ولا إلى تصنيف الناس، ولا إلى تسمية أحد. القضية أكبر من الأشخاص.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى التأثير نفسه.

ماذا لو أصبح إلى جانب ميزان المشاهدات «ميزان أثر»؟

ميزان لا يسأل فقط: كم شخصًا شاهد؟ بل يسأل: ماذا أضاف هذا المحتوى؟ ماذا أصلح؟ ماذا علّم؟ ماذا ترك بعد أن هدأ الضجيج؟

وقد لا نستطيع تحويل الأثر إلى رقم، وربما لا ينبغي لنا ذلك أصلًا؛ لأن أجمل الآثار الإنسانية لا تقبل القياس بهذه السهولة. لكن مجرد تغيير السؤال قد يغير طريقة اختيارنا لما نتابع، وطريقة صناعة من يصنع المحتوى لما يقدم.

فالشهرة قد تصنع اسمًا، لكنها وحدها لا تصنع قيمة.

والمشاهدة قد تستغرق ثواني، أما الأثر فقد يعيش سنوات.

وفي عالم يتنافس الجميع فيه على أن يُرَوا، ربما أصبح السؤال الأهم ليس: مَن الأكثر ظهورًا؟ بل: مَن الذي ترك بعد ظهوره شيئًا يستحق أن يبقى؟

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page